المنجي بوسنينة

64

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

المواطن بأحبّ إليه منكم في مثل هذا الموطن ، ألا وإنّ للصابرين فضلهم . ويرى الدكتور عمر فرّوخ بناء على ذلك أنّ ولادته قبيل الهجرة بسنوات قليلة ، ويكون بهذا الاستنباط قد طوى من السنوات أكثر من ثمانين سنة . وتسكت عنه المصادر بضعة عقود من الزمن ؛ فلا تذكر من أمره ولا خبره شيئا حتى عام 66 ه / 686 م ، حيث تشير إليه ضمن الذين ثاروا من أشراف الكوفة في وجه المختار الثقفي حينما استولى عليها ، وتمكن من إخماد ثورتهم ، وأسر سراقة ، ولكنه استطاع أن يخلّص نفسه من الأسر بحيلة وافقت هوى في نفس المختار ، ومدحه بقصيدته النونية ، ومطلعها : ألا أبلغ أبا إسحاق أنّا * نزونا نزوة كانت علينا وأبو إسحاق كنية المختار الثقفي . وتذكر بعض المصادر أن المختار أسره ثلاث مرات ، نجا منها بذلاقة لسانه وحسن خطابه واعتذاره . من ذلك ما روي في جملة من المصادر أن المختار حين أسره قال له : ما أسرتموني ، وإنما أسرني قوم على دواب بلق ، وأقسم له أنه رأى الملائكة تقاتل على خيول بلق بين السماء والأرض ، فقال له المختار : فاصعد المنبر ، وأخبر المسلمين ، ففعل سراقة ، فلما نزل خلا به المختار ، فقال : قد علمت أنك لم تر الملائكة ، وإنما أردت ألا أقتلك ، فاذهب عني حيث شئت ، ولا تفسد عليّ أصحابي . وفي رواية قال له المختار : إني قاتلك ، فقال سراقة : واللّه يا أمين آل محمد ، إنك تعلم أن هذا ليس باليوم الذي تقتلني فيه ! قال : ففي أي يوم أقتلك ؟ قال : يوم تضع كرسيّك على باب مدينة دمشق ، فتدعو بي يومئذ فتضرب عنقي ، فقال المختار لأصحابه : يا شرطة اللّه ! من يرفع حديثي ؟ ثم فكه من الأسر . وبعد أن تخلّص من أسره ذهب إلى مصعب بن الزبير في البصرة مع أشراف الكوفة ، وهجا المختار بقصيدة تائية مثبتة في ديوانه . فلما بلغ المختار ذهابه إلى البصرة ، وهجاؤه إياه هدم داره في الكوفة ، فبناها له مصعب بعد أن قتل المختار عام 67 ه / 687 م . ثم اتصل ببشر بن مروان بن الحكم ، وصحبه معه إلى الكوفة لما تولاها عام 71 ه / 690 م من قبل أخيه عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي ( 65 - 86 ه / 685 - 705 م ) ، بعد مقتل مصعب بن الزبير . وكان بشر كريما جوادا ذا نجدة ، ممدّحا ، يقرّب إليه الشعراء ، ويجيزهم ، ويغري بينهم ؛ ليهجو بعضهم بعضا ، أغرى بين جرير والأخطل ؛ حتى استطار بينهما الهجاء الذي تحول إلى مناقضات ، وحمل سراقة على هجاء جرير كما يقول ابن سلام في طبقات فحول الشعراء . ثم تغفل المصادر ذكره ، فلا نقع له على خبر حتى عام 75 ه / 695 م ، فنراه يرثي عبد الرحمن بن مخنف الأزدي حينما قتله قطري بن الفجاءة ، وكان والي البصرة بشر بن مروان قد بعثه عام 74 ه / 694 م مع المهلب بن أبي صفرة لقتال الخوارج . ويذكر ابن كثير في البداية والنهاية أنه هجا الحجاج بن يوسف الثقفي ، فنفاه إلى الشام حيث توفي عام 78 ه / 697 م .